رواية الأمان الذي ضاع بيننا الفصل الخامس بقلم أحمد عنتر (خيوط الشك)

 الفصل الخامس
خيوط الشك



"الشك كخيطٍ رفيع... يكفي ليقطع أقوى العلاقات"

 

منذ تلك الليلة، لم يعد البيت كما كان.

لم يحدث شجار.

لم تُرفع أصوات.

ولم تُكسر أشياء.

لكن شيئًا أخطر كان قد بدأ يتسلل بين حازم ومنار...

الشك.

كان حازم يحاول أن يتصرف بشكل طبيعي، وكأن الرسالة التي وصلته لم تغيّر شيئًا.

يستيقظ صباحًا، يذهب إلى عمله، يعود في موعده، يجلس مع منار، ويتحدث معها عن تفاصيل يومه.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

كان هناك سؤال واحد لا يفارق رأسه:

ما الذي تخفيه منار عنه؟


في أحد الأيام، عاد حازم إلى المنزل قبل موعده.

فتح الباب بهدوء.

كانت منار في الغرفة، تتحدث في الهاتف.

وبمجرد أن سمعت صوت المفتاح، قالت بسرعة:

"هكلمك بعدين."

ثم أغلقت الهاتف.

توقف حازم للحظة.

نظر إليها.

"مين؟"

قالت:

"واحدة صاحبتي."

"اسمها إيه؟"

سكتت للحظة.

ثم قالت:

"إيه التحقيق ده يا حازم؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة.

"ولا تحقيق ولا حاجة... بس بسأل."

"طيب ما تسألش بالطريقة دي."

نظر إليها.

كان يستطيع أن ينهي الأمر بجملة بسيطة.

لكنه تذكر الرسالة.

"اسألها عن آخر رسالة لم تصل إليها. "

قال:

"أنا بس بحاول أفهم."

ردت:

"تفهم إيه؟"

"ولا حاجة."

ومضى إلى الغرفة.

لكن الشك لم يمضِ معه.

ظل واقفًا في مكانه داخل رأسه.


في اليوم التالي، وبينما كان حازم في عمله، وصله اتصال من رقم غير مسجل.

تردد قبل أن يجيب.

"ألو؟"

لم يرد أحد.

"ألو؟"

ثم أُغلق الخط.

نظر إلى الشاشة.

رقم غريب.

وضع الهاتف جانبًا.

وبعد دقائق، وصلته رسالة:

"مش كل اللي بيتقال لك حقيقة."

ظل ينظر إلى الرسالة طويلًا.

ثم حذفها.

لكنه لم يستطع حذف معناها من رأسه.


في المساء، عاد إلى المنزل.

وجد منار جالسة أمام التلفاز.

قالت:

"اتأخرت ليه؟"

"الشغل."

"كنت فين؟"

سؤال عادي.

لكن هذه المرة، شعر أن وراء السؤال شيئًا آخر.

جلس بجانبها.

"ليه بتسألي؟"

نظرت إليه باستغراب.

"علشان اتأخرت."

"وأنا لما أسألك عن مكالمة تسألي ليه بتسأليني."

سكتت.

أدرك الاثنان أن شيئًا ما تغير.

قالت منار:

"إنت شاكك فيا؟"

لم يجب.

وكان صمته كافيًا.

وقفت.

"حازم."

"أنا مش عايز أظلمك."

"بس إنت بتظلمني."

"أنا بس عايز أعرف الحقيقة."

"أي حقيقة؟"

اقترب منها.

"الحقيقة اللي كل الناس عارفينها وأنا الوحيد اللي مش عارفها."

تغير وجهها.

"مين قالك إن الناس عارفة؟"

توقف حازم.

لقد قالتها دون أن تنتبه.

لكنه التقطها فورًا.

"يعني فعلًا في ناس عارفة؟"

ارتبكت.

"أنا... ما قصدتش."

"قصدك إيه يا منار؟"

"ولا حاجة."

"إنتِ بنفسك قولتي إن في ناس عارفة! "

"كنت بتكلم بشكل عام."

ضحك حازم بحزن.

"حتى لما بتحاولي تبرري، بتقولي كلام بيخليني أشك أكتر."


دخلت منار غرفتها وأغلقت الباب.

جلست على طرف السرير.

وضعت يديها على وجهها.

كانت تعرف أن الأمور خرجت عن سيطرتها.

لم تكن تريد الكذب عليه.

لكنها كانت تخاف من الحقيقة أكثر من خوفها من الكذب.

أخرجت الهاتف.

بحثت عن اسم قديم.

شوقي.

ترددت طويلًا قبل أن تضغط اتصال.

رن الهاتف.

ثم جاءها صوته:

"كنت عارف إنك هتتصلّي."

قالت بغضب:

"إنت بتعمل إيه؟"

"أنا؟"

"الرسائل... والاتصالات... ليه؟"

صمت شوقي قليلًا.

ثم قال:

"لأن حازم بدأ يسأل."

"وأنت مالك بحازم؟"

"لأنه لازم يعرف."

"مش من حقك!"

"ولا من حقك تخبي عنه."

أغلقت الهاتف.

لكن كلمات شوقي بقيت في رأسها.


في تلك الليلة، لم ينم حازم.

كان جالسًا في الصالة، ينظر إلى الظلام.

دخلت منار.

قالت:

"إنت لسه صاحي؟"

"أيوه."

جلست أمامه.

"عايز تقول حاجة؟"

رفع عينيه إليها.

"أيوه."

انتظر لحظة.

"أنا مش شاكك فيكي علشان عايز أشك."

صمت.

"أنا شاكك لأنك كل مرة بتخبي حاجة، بتخليني أدور على إجابة لوحدي."

قالت:

"ولو قلت لك الحقيقة؟"

"هسمع."

"حتى لو وجعتك؟"

"الحقيقة توجع مرة."

ثم أضاف:

"لكن الشك بيوجع كل يوم."

نظرت إليه.

ولأول مرة شعرت أن الصمت لم يعد يحميها.

بل أصبح يدمر الشيء الوحيد الذي كانت تخاف فقدانه.

قالت:

"في حاجة حصلت قبل ما نتجوز."

انتبه حازم.

"إيه هي؟"

"أنا كنت مرتبطة بموضوع كبير."

"موضوع إيه؟"

"مش علاقة."

قالتها بسرعة.

"ولا خيانة."

تنفس حازم ببطء.

"أمال إيه؟"

قالت:

"موضوع يخص عيلتي."

"وشوقي؟"

رفعت عينيها إليه.

"إنت عرفت اسمه؟"

"هو اللي بعتلي الرسالة."

ساد الصمت.

قالت:

"يبقى بدأ."

"بدأ إيه؟"

"الحقيقة."


في اليوم التالي، طلب حازم من منار أن تريه الصندوق القديم.

رفضت في البداية.

ثم أحضرته.

وضعته أمامه.

فتحته ببطء.

كانت بداخله صور قديمة، أوراق، رسائل، ومجموعة من الأشياء الصغيرة التي احتفظت بها لسنوات.

أخرج حازم إحدى الصور.

كان فيها رجل يقف بجانب فتاة صغيرة.

نظر إلى منار.

"ده والدك؟"

هزت رأسها.

"أيوه."

"والبنت دي إنتي؟"

ابتسمت بحزن.

"أيوه."

قلب الصورة.

وجد تاريخًا مكتوبًا خلفها.

قبل زواجهما بسنوات طويلة.

ثم وجد ورقة مطوية.

فتحها.

لم تكن رسالة حب.

كانت ورقة رسمية.

قرأ السطور الأولى.

ثم توقف.

نظر إلى منار.

"إيه ده؟"

بدأت دموعها تنزل.

"أبويا..."

توقفت.

"أبويا اتظلم."

قال حازم:

"في إيه؟"

"اتهموه بحاجة ما عملهاش."

"ومين اتهمه؟"

لم تجب.

كرر:

"منار... مين؟"

قالت بصوت منخفض:

"شوقي."

ساد الصمت.

فهم حازم الآن أن شوقي لم يكن مجرد شخص من الماضي.

كان جزءًا من الجرح نفسه.


قال حازم:

"بس شوقي قال إنك محتاجة تعرفي الحقيقة."

"هو عنده جزء منها."

"والجزء التاني؟"

نظرت إليه.

"عندي أنا."

"ليه ما قولتيليش من البداية؟"

بكت.

"لأني كنت خايفة."

"من إيه؟"

"إنك تبص لي زي ما الناس بصت لأبويا."

اقترب حازم منها.

"أنا مش الناس."

"بس ممكن تكون."

"لا."

هز رأسه.

"أنا مش هحكم عليكي قبل ما أسمع كل حاجة."

رفعت عينيها إليه.

وفي تلك اللحظة، شعرت للمرة الأولى أن الجدار الذي بنته لسنوات بدأ يتصدع.

لكن قبل أن تتكلم...

رن هاتف حازم.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

فتح الاتصال.

جاءه صوت رجل هادئ:

"لو عايز تعرف ليه أبو منار اتظلم..."

توقف حازم.

"مين؟"

"تعالى بكرة الساعة عشرة... المكان اللي بدأ منه كل شيء."

ثم أُغلق الخط.

نظر حازم إلى منار.

كانت شاحبة الوجه.

قال:

"إنتي عارفة المكان."

هزت رأسها ببطء.

"أيوه."

"فين؟"

قالت:

"بيت أبي."


في تلك الليلة، لم يستطع أي منهما النوم.

كان حازم يفكر في كل كلمة سمعها.

ومنار كانت تعرف أن اليوم التالي لن يكون مجرد كشف لحقيقة قديمة.

بل ربما يكون بداية لانهيار أسرار ظلت تحميها لسنوات.

وفي الصباح...

وقبل أن يخرجا من المنزل، وجد حازم ظرفًا جديدًا أسفل الباب.

فتحه.

كانت بداخله صورة واحدة.

صورة قديمة لوالد منار.

وعلى ظهرها جملة قصيرة:

"الحقيقة ليست في الصورة... بل في الشخص الذي يقف خلفها."

نظر حازم إلى منار.

قالت بصوت مرتجف:

"إحنا ما نروحش."

سألها:

"ليه؟"

أجابت:

"لأن اللي حصل زمان... ممكن يحصل تاني."

نظر إليها.

ثم أمسك يدها.

"المرة دي مش هتواجهيه لوحدك."

نظرت إلى يده.

ثم إلى عينيه.

وكانت تعرف أن الأمر لم يعد يتعلق بالماضي فقط.

فالشك الذي بدأ بخيط رفيع...

كان قد بدأ بالفعل في شد العلاقة بينهما من طرفين.

وإذا لم تظهر الحقيقة قريبًا...

فقد ينقطع كل شيء.


انتهى الفصل الخامس

الفصل القادم

كسر صغير

"أصغر الكسور... قد تسقط أكبر العلاقات."

✍ بقلم: أحمد عنتر

© 2026 جميع حقوق النشر محفوظة للمؤلف أحمد عنتر.

 

إرسال تعليق

✍️ أهلاً بك في عائلة قلم بلاي (QalamPlay)! رأيك الجميل يهمنا جداً ويسعدنا.
📖 شاركنا رأيك وتوقعاتك في التعليقات حول أحداث رواياتنا المشوقة.
🧸 وإذا كنتم تقرؤون قصص الأطفال وسلسلة مغامرات فادي السحرية، يسعدنا أن نعرف ما الذي أعجب أبطالنا الصغار في القصة!
🎮 لعشاق الجيمينج، شاركونا تجاربكم وآراءكم حول الألعاب ومراجعاتها.
(تذكر دائماً أن كلماتك المشجعة تدعمنا للاستمرار في الكتابة ونشر المزيد ✨)

أحدث أقدم