📖 رواية قضية محاها الزمن الفصل الأول بقلم احمد عنتر — الملف الذي لم يكن موجودًا


📖 قضية محاها الزمن



الفصل الأول — الملف الذي لم يكن موجودًا

لم يكن المطر في تلك الليلة عاديًا.

كان يهطل بغزارة على المدينة، يغسل الشوارع من آثار النهار، بينما كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

في أحد الشوارع القديمة، وقف يونس برهان أمام مبنى رمادي ضخم، بدا وكأنه نُسي منذ سنوات.

رفع عينيه إلى اللافتة الصدئة المعلقة فوق المدخل.

«الأرشيف المركزي للقضايا القديمة»

تردد للحظة.

لم يكن يعرف لماذا اختار هذا المكان تحديدًا، ولا من أرسل إليه الرسالة التي قلبت يومه رأسًا على عقب.

كان قد وجدها قبل ساعات في هاتفه من رقم مجهول:

«إذا كنت تبحث عن الحقيقة، فابحث عن القضية التي اختفت قبل أن تنتهي.»

لا اسم.

لا رقم.

لا تفسير.

فقط الجملة.

دفع يونس باب المبنى، فصدر صوت معدني حاد ارتد صداه في الممر الطويل.

كان المكان شبه مظلم.

مصباح واحد يضيء المدخل، وآخر يومض في نهاية الممر وكأنه على وشك الانطفاء.

نادَى يونس:

— «في حد هنا؟»

لم يجبه أحد.

تقدم بضع خطوات، ثم سمع صوتًا خلفه:

— «إنت يونس برهان؟»

استدار بسرعة.

كان رجلًا مسنًا يقف عند باب غرفة صغيرة.

شعره أبيض، وملامحه قاسية، لكن عينيه كانتا أكثر شيء لفت انتباه يونس.

هادئتان... وكأنهما رأتا أشياء كثيرة ولم تعد المفاجآت تعني لهما شيئًا.

قال يونس:

— «أيوه.»

اقترب الرجل ببطء.

— «أنا مغاوري... بس الناس هنا بتناديني عم مغاوري.»

صافحه يونس.

— «إنت اللي بعتلي؟»

توقفت يد مغاوري للحظة.

ثم تركها.

— «أنا ما بعتلكش حاجة.»

— «أمال مين اللي قال لي أجي هنا؟»

نظر مغاوري إلى الممر خلف يونس، وكأنه يتأكد أن لا أحد يستمع إليهما.

ثم قال:

— «إنت بتدور على ملف 2011/47؟»

تغيرت ملامح يونس.

— «إنت عرفت رقم الملف منين؟»

لم يجب مغاوري.

استدار ودخل الغرفة، ثم أخرج سلسلة مفاتيح قديمة.

— «تعالى ورايا.»

صعد الاثنان الدرج.

كلما ارتفعا، أصبح المكان أكثر برودة.

وفي الطابق الثالث توقف مغاوري أمام باب حديدي.

أدخل المفتاح.

قبل أن يفتح الباب، قال دون أن ينظر إلى يونس:

— «في حاجات يا ابني... الأفضل تفضل مدفونة.»

رد يونس:

— «أنا مش بدور على حاجات مدفونة.»

التفت إليه مغاوري.

— «إنت لسه فاكر كده.»

ثم فتح الباب.

دخل يونس.

كانت الغرفة مليئة بالملفات القديمة.

رفوف طويلة تمتد حتى السقف، وأرقام مكتوبة على بطاقات صفراء فقدت ألوانها من الزمن.

أخرج مغاوري مصباحًا صغيرًا، واتجه إلى أحد الرفوف.

مرر أصابعه على الملفات.

ثم توقف.

— «هنا.»

سحب ملفًا سميكًا.

كانت على غلافه كتابة باهتة:

2011 / 47

مده إلى يونس.

لكن قبل أن يأخذه، قال مغاوري:

— «أنا ما شفتش الملف ده.»

رفع يونس حاجبه.

— «إزاي؟»

ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.

— «لأن الملف ده... اختفى من سنين.»

ثم تركه وخرج.

ظل يونس واقفًا للحظات.

نظر إلى الملف.

ثم إلى الباب الذي خرج منه مغاوري.

وعندما عاد بنظره إلى الملف، شعر بشيء غريب.

كان الغلاف مفتوحًا قليلًا.

سحبه.

الصفحة الأولى كانت تحمل تاريخًا قديمًا، وبعض البيانات الرسمية.

ثم اسم:

طارق بدوي.

تجمد يونس.

بدأ يقرأ.

اختفاء بتاريخ 17 أكتوبر 2011.

آخر مكان شوهد فيه:

المنطقة الصناعية القديمة.

لا جثة.

لا شاهد رئيسي.

لا تفسير واضح.

قلب يونس الصفحات بسرعة.

لكن إحدى الصفحات كانت ممزقة من المنتصف.

رفع الورقة.

كان واضحًا أن شخصًا نزعها بعناية، وليس بسبب تلف قديم.

تحتها مباشرة وجد صورة فوتوغرافية.

صورة لطارق بدوي.

كان واقفًا أمام مبنى قديم، وبجانبه رجل لم تظهر ملامحه بالكامل.

قرب يونس الصورة من المصباح.

وفي أسفلها تاريخ مكتوب بالقلم:

17 / 10 / 2011

لكن شيئًا آخر كان مكتوبًا خلف الصورة.

قلبها.

جملة واحدة:

«لم يختفِ طارق في تلك الليلة.»

شعر يونس بقشعريرة تسري في جسده.

وتحت الجملة مباشرة:

«الشخص الذي كان معه يعرف أين انتهى كل شيء.»

وفجأة...

صدر صوت من الممر.

خطوات.

بطيئة.

ثم توقفت أمام الباب.

رفع يونس رأسه.

— «عم مغاوري؟»

لا إجابة.

اقترب من الباب.

فتحه.

الممر كان خاليًا.

لكن على الأرض أمام الباب كان هناك ظرف أبيض.

لم يكن موجودًا منذ لحظات.

انحنى يونس والتقطه.

فتحه.

في داخله صورة حديثة.

نظر إليها.

ثم شعر بأن قلبه توقف للحظة.

كانت الصورة لنفس المكان الذي اختفى فيه طارق منذ خمسة عشر عامًا.

لكن الصورة لم تكن قديمة.

كان واضحًا أنها التُقطت حديثًا.

وفي الخلفية ظهر المبنى نفسه...

وعلى جدار جانبي كانت هناك ساعة قديمة.

العقربان يشيران إلى:

11:40

قلب يونس الصورة.

كانت هناك جملة مكتوبة:

«لقد بدأوا يبحثون عنك أيضًا.»

رفع يونس عينيه.

في نهاية الممر البعيد، لمح للحظة شخصًا يقف في الظلام.

رجل طويل.

يرتدي وشاحًا أسود يغطي جزءًا من وجهه.

ظل الرجل ثابتًا.

لم يتحرك.

نظر إلى يونس.

ثم رفع يده ببطء وأشار إلى الصورة التي يمسكها.

اقترب يونس خطوة.

— «إنت مين؟»

لم يرد الرجل.

استدار واختفى خلف زاوية الممر.

ركض يونس خلفه.

وصل إلى الزاوية...

لا أحد.

فقط نافذة مفتوحة، والمطر يدخل منها إلى الممر.

عاد يونس إلى الغرفة.

كان يحاول استيعاب ما يحدث.

ملف اختفى لسنوات.

صفحة ممزقة.

صورة قديمة.

صورة حديثة للمكان نفسه.

ساعة تشير إلى 11:40.

ورجل غامض ظهر لدقائق ثم اختفى.

لكن أكثر شيء أخافه لم يكن ذلك.

كان الظرف.

لأنه لم يكن يحمل رسالة فقط...

بل كان يحمل دليلًا على أن شخصًا ما يعرف أنه بدأ يبحث.

نظر يونس مرة أخرى إلى الملف.

ثم إلى صورة طارق.

وفي تلك اللحظة أدرك شيئًا واحدًا:

القضية لم تكن نائمة طوال هذه السنوات.

كانت تنتظر فقط...

أن يعود شخص ويسأل عنها.

وبمجرد أن فعل يونس ذلك، بدا وكأن شيئًا آخر استيقظ معها.

أغلق الملف ببطء.

ثم قال لنفسه:

— «أنا هعرف الحقيقة... مهما كانت.»

وفي مكان ما خارج المبنى، كان صوت خطوات يبتعد تحت المطر.

أما عم مغاوري...

فلم يكن في أي مكان.

والرجل ذو الوشاح الأسود...

لم يترك وراءه سوى سؤال واحد:

لماذا أراد أن يرى يونس الصورة؟

يتبع...

✍ بقلم: أحمد عنتر

إذا أعجبك الفصل، فلا تنسَ متابعة الرواية ومشاركة رأيك، فكل تعليق منك يدعم استمرار الحكاية


© 2026 جميع حقوق النشر محفوظة للمؤلف أحمد عنتر.


لا يجوز إعادة نشر أو نسخ أو توزيع أي جزء من هذه الرواية بأي وسيلة كانت، ورقية أو إلكترونية، دون إذن كتابي مسبق من المؤلف، باستثناء الاقتباسات القصيرة التي يسمح بها القانون.



إرسال تعليق

✍️ أهلاً بك في عائلة قلم بلاي (QalamPlay)! رأيك الجميل يهمنا جداً ويسعدنا.
📖 شاركنا رأيك وتوقعاتك في التعليقات حول أحداث رواياتنا المشوقة.
🧸 وإذا كنتم تقرؤون قصص الأطفال وسلسلة مغامرات فادي السحرية، يسعدنا أن نعرف ما الذي أعجب أبطالنا الصغار في القصة!
🎮 لعشاق الجيمينج، شاركونا تجاربكم وآراءكم حول الألعاب ومراجعاتها.
(تذكر دائماً أن كلماتك المشجعة تدعمنا للاستمرار في الكتابة ونشر المزيد ✨)

أحدث أقدم